العلم يصنع المعجزات
أول قلب اصطناعي طويل الأمد يقترب من إنقاذ البشر
في لحظة ما، يتوقف قلب إنسان عن أداء مهمته. لا تحذير، لا استئذان. في تلك اللحظة بالذات، تبدأ الساعة بالعد التنازلي. وبينما كان المريض في الماضي ينتظر فرصة شبه معجزة في قوائم زراعة القلب الطويلة، يبدو اليوم أن العلماء صنعوا المعجزة تلك بأيديهم — من تيتانيوم، وحقول مغناطيسية، وعقود من البحث الصبور.
الحديث هنا عن BiVACOR، القلب الاصطناعي الكامل الذي يُعدّ الأكثر تطوراً في تاريخ البشرية حتى اللحظة. ليس مجرد جهاز ميكانيكي بارد، بل هو نبضة أمل تُعيد رسم مستقبل الطب القلبي بالكامل.
من أين جاءت الفكرة؟ رحلة البداية
قبل أكثر من عقدين، كان دانيال تيمز، الباحث الأسترالي، يجلس في مختبره ويتأمل مشكلة واحدة بسيطة في صياغتها، معقدة في حلها: كيف تصنع قلباً اصطناعياً لا يتعطل ولا يتآكل مع الزمن؟ القلوب الاصطناعية القديمة كانت تعتمد على أجزاء متحركة تتقاطع، فتُحدث احتكاكاً، فتتلف، فتقتل المريض الذي أُريد لها إنقاذه.
الحل الذي توصّل إليه تيمز كان خارج الصندوق تماماً: إزالة الاحتكاك بالكامل عبر تعليق الجزء المتحرك الوحيد — وهو دوّار يشبه المروحة — مغناطيسياً في الفراغ، دون أن يلمس أي سطح آخر. النتيجة؟ جهاز نظري لا يتآكل، لأنه لا شيء يحتك بشيء آخر.
كيف يعمل القلب من الداخل؟ العلم ببساطة
يتشابه BiVACOR من الخارج مع قبضة اليد البالغ — وهو عمداً بهذا الحجم ليناسب تجويف صدر الإنسان. لكن من الداخل، القصة مختلفة تماماً. لا صمامات، لا غرف ضخ متمايزة، لا دوارات تحتك بجدران معدنية.
الجزء المتحرك الوحيد في BiVACOR هو دوّار مركزي مُزدوج الجانبين، يطفو حرفياً داخل الجهاز بفضل حقول مغناطيسية دقيقة. هذا الدوّار يضخ الدم في الاتجاهين — نحو الرئتين ونحو بقية الجسم — في آنٍ واحد، تماماً كما يفعل البُطيناً الأيمن والأيسر في القلب البشري.
ما يجعل هذا التصميم ثورياً فعلاً هو غياب أي نقاط ضعف ميكانيكية تقليدية. القلوب الاصطناعية السابقة كانت تعمل بمتوسط عمر تشغيلي لا يتجاوز السنتين إلى الثلاث. أما BiVACOR، فالهدف المُعلن أن يستمر لـعقود كاملة داخل صدر المريض، دون الحاجة لأي تدخل جراحي إضافي.
التجارب السريرية: ماذا حدث فعلاً؟
الكلام النظري جميل، لكن الحقيقة تُختبر في غرفة العمليات. وقد اجتاز BiVACOR هذا الاختبار بنتائج لافتة.
-
منتصف 2024 – أمريكا
نجح خمسة مرضى في تلقّي القلب الاصطناعي BiVACOR ضمن دراسة FDA الأولية. جميعهم عاشوا حتى حصلوا على قلوب مُتبرَّع بها — والجهاز عمل كـ”جسر” حتى يومهم.
-
نوفمبر 2024 – أستراليا
أُجريت أول عملية زراعة في أستراليا في مستشفى St. Vincent بسيدني. المريض السادس عالمياً.
-
يناير 2025 – أستراليا
بعد 60 يوماً من الاستشفاء، غادر المريض الأسترالي المستشفى حاملاً القلب الاصطناعي في صدره، وعاد لحياته. ظلّ خارج المستشفى 104 أيام قبل أن يحصل على قلب حقيقي.
-
مايو 2025 – FDA
حصل BiVACOR على تصنيف Breakthrough Device من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية — وهو أول قلب اصطناعي كامل يحصل على هذا التصنيف في التاريخ.
-
صيف 2025 – توسيع التجارب
وافقت FDA على توسيع الدراسة لتشمل 15 مريضاً إضافياً في الولايات المتحدة، مع إمكانية عودتهم للمنزل وهم يحملون الجهاز.
“هذا أكثر من مجرد إنجاز تنظيمي. إنه تحقّق لفكرة أمضينا عقوداً في إثباتها — أن قلباً اصطناعياً كاملاً قابلاً للزرع ليس ممكناً فحسب، بل ضرورة ملحّة.” — د. دانيال تيمز، مؤسس BiVACOR ومديرها التقني
لماذا هذا الإنجاز مهم الآن تحديداً؟
أكثر من 6 ملايين أمريكي يعيشون مع قصور القلب، والأعداد في ازدياد مستمر مع شيخوخة السكان وتفشّي السمنة وارتفاع ضغط الدم. المشكلة ليست غياب الطب أو العلاج — المشكلة هي في العرض والطلب.
في المقابل، لا يتجاوز عدد عمليات زراعة القلب في الولايات المتحدة 4,500 عملية سنوياً، وذلك لأن عدد القلوب المُتبرَّع بها محدود وثابت. الفجوة بين هذين الرقمين ضخمة، وكارثية، وتقتل الآلاف في صمت كل عام.
BiVACOR لا يريد أن يكون مجرد “جسر” مؤقت حتى زراعة قلب حقيقي. الهدف الأكبر هو أن يكون الوجهة النهائية — قلباً دائماً لا يحتاج صاحبه أبداً لزراعة تقليدية. المدير الطبي ويليام كون أكّد أن الشركة تسعى للحصول على موافقة FDA لـ”الاستخدام ال



